close

لحظات للذاكرة..

بعد يوم طويل وأنت تضع رأسك على الوسادة.. ماهي الصور والأحداث التي تسترجعها عن يومك؟.. هل تذكر شجارك مع أحد زملائك في العمل ، أو تلك المكالمة المزعجة مع العميل الفلاني والتي أثرت على يومك كله.. ومازلت تفكر فيها حتى الآن؟ ، أم تذكر لقائك مع صديق وخوضك لحوار عميق معه
نزهتك مع العائلة ، خبر ترقيتك.. أو احتفال أصدقائك بعيد ميلادك اليوم !

يا ترى كيف كان يومك.. وبناء على أي تجربة سوف تصفه ؟ 

في حياتنا اليومية نحن نمر بالكثير والكثير من التجارب واللحظات.. الكثير منها يتلاشى في طي النسيان والقليل فقط هو ما يبقى عالق في الذاكرة..
هذه اللحظات التي تبقى عالقة في الذاكرة هي ما تشكل حياتنا.. بل هي حياتنا.. ومن خلالِها نرى أنفسنا ونسرد قصصنا.

فكلما زادت اللحظات والتجارب الجميلة والفريدة كلما تذكرنا حياتنا بصورة أجمل وانعكس ذلك على نظرتنا لأنفسنا.. وعلى العكس كلما تمسكنا باللحظات المؤلمة  كلما رأينا حياتنا وأنفسنا من خلال هذه الزاوية .

 معظمنا بالتأكيد سمع بنظرية هرم الاحتياجات الإنسانية لعالم النفس الشهير “ماسلو”.. والتي  حاول من خلالها أن يفسر طبيعة الدوافع التي تحرك السلوك الإنساني وتشكله.
ما يميز دراسة “ماسلو” هو أنه حاول أن يفهم الشخصية الإنسانية من خلال حالات اكتمالها وتفوقها وليس من خلال حالات مرضها وتفككها.
“فماسلو”  قام بدراسة مجموعة من الأشخاص الذين تمكنوا من تحقيق ذواتهم وتجاوزها .. كأمثال ألبرت أينشتاين، غاندي، بيتهوفن، والأم تريزا ..  تحقيق الذات وتجاوز الذات يعد من الحاجات العليا في هرمه.
 وجد ماسلو أن معظم من شملهم بحَثه يشتركون في خوض نوع من التجارب  أسماها ”peak experience“ .. تجارب القمة .. وأحيانا يطلق عليها اللحظات الساحرة.

“ماسلو”  يصفها..  بأنها لحظات  من الحضور التام، من البهجة، من السلام، الإدراك.. وأحيانا تكون هذه اللحظات شديدة التأثير إلى درجة تتغير بها شخصية الإنسان كلية.

هذه اللحظات أو التجارب  قد تكون أعلى قمة جبل ، أو تكون في زيارتك لدولة أخرى وتجربة نمط معيشي مختلف تماماً عما اعتدتَه ، لحظة تجاوزك خط النهاية في أول “مراثون” تشارك فيه ، أو لحظة انتهائك من أداء مناسك الحج  للمرة الأولى ، وربما قد تكون في لحظة حب ، اللحظة التي حملت فيها طفلك بين يديك للمرة الأولى ..

ويمكن أيضاً أن تكون هذه اللحظات صغيرة وبسيطة  تختبئ في تفاصيل حياتنا اليومية.. ككتاب مثري .. حوار شعرت فيه بالانتماء ، في الغروب في السماء وتناغم ألوانها .. في سعه البحر في صوت أمواجه ، في يوم ممطر ، في عمل فني استوقفك ، في الكتابة ، في إبداعك  كيفا كان .. فالعديد من الفلاسفة والمفكرين أجمعوا على أن معظم الأفراح الكبيرة هي أفراح ناتجة عن عمل إبداعي أو ثمرة جهد ما.
فرحلة التجسيد المادي للقصيدة في كلمات أو التصور الفني الذي يتجسد على شكل تمثال أو لوحة وتحويل الفكرة من الخيال إلى شيء ملموس في الواقع هو ما يجعلنا نشعر بتجاوز الذات وبكل تلك السعادة الغامرة .

يأتي الفرح في أوقات لا نتوقعها ولا نتوقع أن نجني فيها شيئا فالفرح ليس طوعيًا وحين سئل “ماسلو” عن إذا ما كان بالإمكان التخطيط لهذه اللحظات أجاب بالنفي .. لكن أليس بوسعنا عبر سلوكيات معينة أن نعزز من ظهور الأفراح والبهجة في حياتنا ؟

كلما كنا أكثر انفتاحا على الحياة وإقبالا على خوض تجارب جديدة .. وكلما كنا أكثر حضورا كلما عززنا من أن نصادف مثل هذه اللحظات التي تخلد في الذاكرة.
فلو كنا ننظر إلى منظر طبيعي ونحن نفكر في المشروع الذي لم ننتهي منه بعد فليس ثمة فرصة ليصادفنا فيها الفرح .. لكن لو شاهدنا نفس المنظر وكلنا انتباه لتناغم الأشكال ، للألوان ، للروائح ، للأصوات ، وللصمت.. ربما يكون بوسعنا أن نشعر بالبهجة  أكثر.

ختاماً .. أعلم جيداً بأننا لا نملك القدرة على التحكم في كل مجريات حياتنا ولحظاتها.. لكن مثلما هناك الأحداث السيئة .. هنالك اللحظات السعيدة تحيط بنا من كل جانب.. قد تكون أمامك الآن فقط تنتظر منك بأن تفتح لها الباب وتعيش !

 


المراجع :
- كتاب قوة الفرح
- كتاب The Power Of Moments
- مقابلة مع ماسلو هنا 
- مقالة عن هرم الاحتياجات في  simplypsychology
Tags : إبصاربودكاستوعي ذاتي

شاركني تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: